آقا بن عابد الدربندي

272

خزائن الأحكام

ولظهر منه اثر في الآثار مع أن المسلمين لا يتحاشون من أيام النّبى ص والأئمة ع من استعمال السكر والعقاقير والأقمشة المجتلبة من الهند ومن المظنون بحيث يقارب القطع انها مما تعملها الكفار وكذا عن الادهان المتخذة من السّمسم ونحوه ومن البعيد ان لا يصيب محله نجاسة في حين من الأحيان فمن تعاطى غسل الأقمشة الهندية ونحوها إذا أراد لبسها وهجر البرغال والجلد المسمّى عند العجم بالسّاغرى والأدهان الطيبة المختلقة في بلاد الهند إلى غير ذلك طلبا للاحتياط كان آتيا بالمرجوح دون الراجح هذا وأنت خبير بعدم استقامة اطلاق هذا الكلام وبسقم ارساله إذ نفى أولوية الاحتياط وحسنه عن الأمور العامة المفسرة عند هذا القائل بما فسر على سبيل الاطلاق وطريق الكلية غير مشروط بشيء من العسر والحرج ونحو ذلك مما لا يتقوه به عاقل وكيف لا فان ذلك اما لأجل عدم كونه مصداقا من مصاديق أحد الحدود المذكورة للاحتياط أو لعدم شمول مدارك الاحتياط له من العقلي والنقلي ولو كان ذلك لأجل عدم الانصراف اليه أو باتفاق العلماء على استثناء ذلك بعد تسالم الامرين من صدق الحد والشمول فالأول كما ترى من البعد في منار ولا أظن ان يظن به هذا القائل وكذا الثاني إذ كيف ينكر شمول قولهم ع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك لما في المقام وكذا قول أمير المؤمنين ع مخاطبا لعثمان بن الحنيف فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه الحديث ونحو ذلك من الأخبار العامة مع أنك قد عرفت مرارا ان الاحكام الإلهية من التكليفيّات والوضعيات انما هي على طبق الأمور الواقعية والعلل النفس الامرية ولا دخل في ذلك للعلم والجهل وان القبائح النفس الأمريّة وان لم تؤثر اثر العقاب والعذاب في صورة الجهل بها إلّا انها مما يؤثر في الجملة ولو بحسب الحط والانخفاض في درجة ملكة السعادة والازدياد والتقوية في درجة ملكة الشقاوة واما الثالث فكيف يدعيه هذا القائل مع تصريح العلماء جيلا بعد جيل بحسن الاحتياط واولويّته في كل مقام من المقامات مهما أمكن وما لم يعارض بحسب بعض المقامات ما هو أقوى منه ويرد عليه ولو كان ذلك بحسب ملاحظة بعض الحالات وجملة من الأشخاص والسّيرة المدّعاة ان كانت بالنسبة إلى نفى أولوية ما قلنا في الأمور العامة فغير متسالمة ولا مسلّمة وان كانت بالنسبة إلى اثبات الإباحة والجواز والطهارة بالنّظر إلى مرحلة الظاهر فهي مسلمة متسالمة الا ان ذلك لا يجديه من غير لكونه حريم محل هذا البحث وليت شعري بأنه كيف يدعى هذه المقالة وكيف يرضى بهذا الاستثناء مع أن ذلك يكاد ان يستلزم القول بعدم الاحتياط في الموضوعات بأسرها إذ أكثرها من الأمور العامة على أن الأعمية بهذا المعنى امر إضافي يختلف بحسب الحالات والاشخاص والأزمنة ومن أعجب الأمور والعجائب جمة ادعائه عدم الامر بالاحتياط في الأمور العامة في خبر من الاخبار واثر من الآثار أليس « 1 » من أعظم الاخبار والآثار قول أمير المؤمنين ع حيث بلغه ان عثمان بن الحنيف الأنصاري عامله ع بالبصرة قد دعى إلى مأدبة فأجاب يا ابن الحنيف انه قد بلغني انك قد دعيت إلى مأدبة فأسرعت إليها تنقل إليك الجفان وتستطاب لك الألوان فما كنت أظن انك تجيب إلى مأدبة قوم عائلهم مجفوّ وغيّهم مدعوّ فانظر إلى المقضم الذي تقضمه فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه الا ان لكل مأموم اما ما يقتدى به ويستضئ من نوره الخ الحديث أليس مورد ذلك في الأمور العامة والتوبيخ والتقريع على مناولتها من غير علم بطيب وجوهه ومقام المعارضة مع الأقوى أو الاستلزام العسر والحرج الشديدين بحسب بعض الموارد والاشخاص والأزمنة مقام آخر وبالجملة فان ارسال هذا الكلام كالقول بعدم مشروعية الاحتياط بالجمع والتكرار في العبادات وتشريعه كما نقلناه عن البعض في بعض المقامات السابقة مما لا يصغى اليه فقد انصدع عما ذكرنا معيار أوفى وميزان مستوفى لمعرفة موارد جريان الاحتياط الندبي ثم لا يذهب عليك ان كل ما ينبغي ان يفعل أو يترك انه من باب الاحتياط إذ قد يكون ذلك من باب التسامح في السّنن والمكروهات ولا تنهض أدلة التسامح دليلا لاثبات استحباب الاحتياط لأنها انما دلت على اعتبار ما لا ينهض دليل من خبر ساقط أو قول فقيه في اثبات الاستحباب بهما والكلام في الاحتياط فيما لم ينهض دليل على أحد الاحتمالين أو أحد المتعارضين أو قول الفقيه الذي دل على المنع والتحريم فالفرق بينهما مفهوما وموردا ودليلا واضح على أن الاحتياط اعمّ موردا حيث يجرى في الموضوعات والاحكام واعمّ منه من غير هذه الجهات أيضا وانّ ما يحصل بقاعدة التسامح اثبات حكم فكم من فرق بينه وبين الاحتياط ثم لا باس بايراد ما يتعلق بالمقام من كلمات بعض الاعلام حيث قال إن السّنن على اقسام أولها ما علم فيه استحباب الأصل وشك في رجحان الخصوصية ثانيها ما دار بين المباح والسّنة ثالثها ما جهل حكمه بالمرة رابعها ما لم تثبت شرعيته بالأصل ولا معارض له كوضوء الحائض والجنب خامسها ما كان مخالفا لقاعدة شرعيّة كصوم النافلة والسّفر ونذر الاحرام قبل الميقات ونذر الصوم حضرا أو سفرا وركعتي الوتيرة ان جعلت نافلة للعشاء والزيادة على الاثنتين في النوافل سادسها ما كان داخلا تحت عموم الأدلة التحريم والكراهة الذاتيين والظاهر في القسم الأول الاكتفاء بمجرّد المظنة من قول فقيه أو من غيره فضلا عن الرواية الضعيفة بل الاحتمال القوى كاف لان طريق الاحتياط في تحصيل رجحان الخصوصية حجة شرعية كما هو كل فيما يحتمل الوجوب والحرمة والقسم الثاني ويقع في الآداب والرواجح الغير المشروطة بالنية ملحق بسابقة والقسم الثالث والرابع لا يثبتان الا بحجة ولو رواية ضعيفة لدخولها في أدلة السّنن واما القسم الخامس فيحتمل فيه ذلك نظرا إلى أن الضّعيفة

--> ( 1 ) إذ هذا يكشف عن قصر باع هذا القائل في تتبع الاخبار وتصفح الآثار